|
قـتـل
الابـداع عـلـى مـذبـح الـنـقـد الـجـديـد
علي الزبيدي
يشهد مفهوم الفن
والابداع زجا تعسفيا لممارسات مبتذلة تحت طائلته ،
تسوق للمتلقين باعتبارها انماط جديدة او مبتكرة من
الفنون ، يشفع لها في مدّعاها هذا أئمة الحداثة ودعاة
التجديد او التجريب.
فصار الفن يضم اضافة
الى ما تعرضه الفضائيات تحت يافطة الفن اشياء كثيرة قد
تشتمل كل أنواع النشاط الإنساني، كالطبخ والماكياج
ووقص الشعر والأزياء وغيرها. وقد وصل الامر الى ان مزج
الحاجيات والغراض ، بما فيها النفايات، وتجميعها على
اشكال قد تكون فوضوية ، يعد نمطا من انماط الفن الحديث
وتأخذ لها مساحات لكي تعرض في معارض الفن الحديث إذا
توافر أناس يملكون الوقت للنظر إليها.
الفن ـ إن اردنا تعريفه بشكل مقتضب ـ هو مفهوم يشير
الى ما ينجزه الانسان من ابداع على صعيد الكتابة او
الرسم واضيف اليه لاحقا ابداع الصورة.
تهدد مفهوم الفن منذ البنيوية وما بعد البنيوية وما
قدمته من دراسات نظرية تضرب صميم نظريات الفن
المتعارفة واصابتها بالفوضى والاضطرابات ، بعد ان نسفت
اسسها التي قامت عليها زمنا طويلا.
أس المشكلة في النقد الجديد انه نظر الى الفن ـ ومن
ضمن الادب ـ بلحاظ المتلقي فقط ، واهمل بشكل كبير منتج
الفن ـ والكاتب ـ وعملية الانتاج وما يحايثها من ظروف
ومؤثرات خارجية وشخصية يعيشها المبدع.
تعود جذور هذه النظرة إلى كتابات بول فاليري ورولان
بارت . يقول كلود ليفي شتراوس : الأساطير لا مؤلف لها.
وحملة الوية النقد الحديث يريدون التعامل مع الابداع
بكل اشكاله كما يتعاملون مع الاساطير ، ويقطعون صلته
بمن ابدعه باعتباره شخصا محددا يمتلك تفكيرا خاصا به.
وقد استندوا في دراساتهم الى كتاب موت المؤلف لرولان
بارت الذي خلص فيه الى هذه النتيجة.
يقول بارت في دراسته: “إنه لمن المستحيل معرفة من الذي
يتكلم في أي نص أدبي، وذلك بسبب أن الكتابة تتكون من
مجموعة غير محددة من الأصوات، والأدب هو بالضبط إبداع
ذلك الصوت الذي لا نستطيع تحديد أصله”. وعلى الرغم من
أن رولان بارت يشير هنا إلى الأدب، الا انه يغفل من
انتج هذا الادب ، ويعتبره نصا مجردا بلا اصول تربطه
بالواقع ، وقد تمادى من جاء بعده فنقلوا رؤية بارت نحو
الادب الى الفنون الاخرى. ويقول بارت ايضا “اللغة هي
التي تتكلم، ليس المؤلف”، وهو ينافي كون اللغة اداة
للكاتب إذ لا يمكنها ان تكتب نفسها ، وان لا تعبر الا
عن فكرة ما يحملها انسان او جماعة او توصل للانسان
الذي يفهمها ويتعامل معها علما فوق انساني ،
كاستخدامها من قبل القرآن الكريم لكي يفهم ما ارادته
السماء منه.
في سياق النقد الجديد يرى البعض ان مستقبل الكتابة
يكمن في ان: ولادة القارئ يجب أن تتحقق من موت المؤلف.
للأسف، لا يصح هذا الوصف لان النصوص مادة مشتركة بين
الكاتب والقارئ ومدار تواصل بينهما فإن مات احدهما او
تم تهميشه انقطع التواصل وصار كل منهما يسبح في بحر.
لقد وظف النقد الجديد نظريات التحليل النفسي
والماركسية والوجودية ، مما ادى بالنقاد الى الجنوح
بقراءاتهم للنتاجات الادبية والفنية الى مديات تفوق
دوائر بحثهم ، التي يفترض ان تنصب على النص وكاتبه او
العمل الفني والفنان ، وتعدوا ذلك الى التقول بفصامية
او جنون المبدعين ، او كون المنجز هو نتاج جمعي
للمجتمع وليس للفرد ، او انفصاله عن اي رؤية تجاه
الكون واعتباره جهدا عبثيا. وبقي المبدع مهمشا في
تاريخه الشخصي ومعتقداته وافكاره ومقصدياته ، وصار كل
ذلك مثارا للتشكيك والطعن.
النقد الجديد ركز جهده على ان يكون نمطا فنيا قائما
بذاته ، لا تابعا للنصوص او النتاجات الابداعية كما
كان سائدا في ما مضى .. وهذا وان كان امرا مبررا في
ذاته الا انه لا يبرر الغاء احقية المؤلف بل وقتله على
مذبح النقد الجديد. |