مؤسسة الثقافة والإعلام

مديرية الثقافة والإعلام المقروء
منظمة بدر
موقع محافظة ميسان
مدينة العمارة


الصفحة الرئيسية
أخبار المحافظة
ثقافة وأدب
تحقيقات
دراسات
منوعات

رياضة

تقارير

مقالات

أنشطة منظمة بدر

من تراث الشهداء

من ذاكرة الموقع

 

حقبة انعتاق الإنسان

في رواية شفرة دافنشي لدان براون لفتت انتباهي إشارة عابرة مفادها ان الألفي عام الماضيين حتى 2000م كانا يمثلان وفق رؤية علماء الرموز الفلكية حقبة الحوت التي من أبرز ما يؤطر تفكير الإنسان خلالها انه تفكير تابع يجب أن يُملى عليه فهو لا يستطيع التفكير بشكل مستقل …
أما الحقبة التي ابتدأت مع حلول الألفية الثالثة وهي حقبة الدلو كما يسميها أولئك العلماء فإنها تمتاز بقدرة الإنسان على التفكير المستقل عن الآخرين وبعبارة أخرى فهي تمثل حقبة الانعتاق الكامل للإنسان من أية تبعية فكرية لأنه ـ كما يعبر دان براون ـ سيكتشف الحقيقة ويتعلم كيف يفكر باستقلالية.
وبصـرف النـظر عن موقـفنا مما تقوله الابـراج الفلـكية ومدى حقـيقة ما نقـلته هذه الرواية ، فـإننا يمـكن أن نتلمس مؤشرين في أساليب التفكير الانسانية في عصرنا الحاضر أوحت بهما هذه الرؤيـة الرمزيـة في تحـليل مسارات النجـوم ، أحدهما إيجـابي والآخر سلبي ..
الايجابي: مفاده إن الخروج عن الأطر التبعية في التفكير يمكن أن يمنح الانسان مجالا أوسع في استكشاف الحقيقة والبحث عن السبل التي تكفل ايصاله إلى السعادة الابدية ـ غاية مراد الانسان على مر العصور ـ ، وبما ان العصر الحاضر فتح آفاقا شاسعة للباحثين والمستكشفين ووفر وسائل متطورة للاطلاع على الافكار والمعتقدات في جميع بقاع الكرة الارضية ، وقد تحاورت الحضارات أو تصادمت في زمن عولمة المعلومات حتى لم يعد شيئا خافيا على من يطلبه .. فإذا فتح الانسان مجالا في عقله لتمثل الافكار المغايرة ، واستمع لكلام الآخر بأفق الباحث المنصف ، فإنه سيتوصل إلى نتائج تفيده في اتخاذ قرارات مصيرية في مجاله العقدي.
اما السلبي: هو في لحاظ ان الدين ـ الإسلامي بالأخص ـ يشترط على الانسان لتحصيل السعادة الابدية والخلود السامي هو أن يتبع دون قيد أو شرط ما ثبت صدوره من طرق مرتبطة بالسماء فـ(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) و(لا اجتهاد في مقابل النص) ، ومن المنصـوصات الثابت وجـوب التقـليد والاتباع فيها جميع (الحوادث الواقعة) لكي لا يحيد الانسان عمّا رسمته له الإرادة الالهية المـدركة لتلك الحـقائق التي تؤدي بالانسـان إلى غـاياته السامية.
فإذا ما سعى الانسان إلى الانعتاق والاستقلال التام بأفكاره والعمل بآرائه الخاصة في أمور أوكل التشريع سلطة القرار فيها إلى المختصين بها ، فإنه سيسير في طرق وعرة ستودي به في النهاية.
عصرنا يشهد حقا كلا المسارين في التفكير ، فالعالم بدأ يبحث بضراوة ليكتشف الحقيقة ، وبدأ يكتشف خطأه ، وآفاق السؤال انفتحت عن آخر الأديان ومدى كونه الدين الحق.
وعلى صعيدنا ثمة محاولات محمومة لفك ارتباط الفرد بمرجعياته الفكرية والعقدية ، بدعاوى حرية التفكير ، وفصل الدين عن السياسة ، أو تحجيم سلطة الدين وتحييده، وما إلى ذلك ، وفي كل هذه التحركات مكاسب مشبوهة لأولئك الذين يسعون لتحطيم الاسلام واستباحة قواعده من خلال افكار مغرية وجديدة ، على غرار ما قاموا به مع الكنيسة.
الا ان الفارق بين الكنيسة والاسلام هو ان الاولى حملت على امتداد فترة هيمنتها الثيوقراطية مناطق واهنة امكن اختراقها ، واهمها انها تحـتمي خـلف عقيدة محـرّفـة بل ومشوهة ، بعيدة كل البعد عن الدين الذي جاء به سيدنا المسيح عليه السلام .. اما الاسلام فإنه (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وهو يحافظ على أسس ومناهج فكرية متينة ستنجي حتما كل من اعتنقها ولم يحد عن تعاليمها.